رواية: أزمة ثقة (الجزء الثالث)
الحـلقة الثالثـة: الـلغـز والـفـخ
أول ما وصلت السيارة، فتح سند الباب وركب بكل استعجال، وكأن شيئاً لم يكن. سند وهو يسكر في الباب: “هي يا ولد عمي، تحرك بينا المطار لاحقنا.”
تحركت سيارة وائل، وأنا عقلي طار مع الكلمة اللي قالها.. “في كابوس؟”. هل هي إهانة؟ ولا فعلاً شافني؟ قعدت الأسئلة ترفع فيا وتجيب، بس في الأخير قلت “يا بنت فوتيها، ليلتك بيضاء مع سند وما تخربي على روحك بمواضيع تافهة”. لكن الغريب إنه في كل مرة كنت نرفع فيها راسي، نلقى عيون وائل مثبتة عليا في المراية، وأول ما نتلاقى معاه، ينزل عيونه بسرعة ويسرح في الطريق.
وصلنا للمطار، نزل وائل الشنطة الوحيدة اللي كانت معانا وحطها قدامنا. سلم على سند ببرود: “تمشوا وتجوا بالسلامة يا غالي.” سند: “سلمك، ورد بالك على العيلة، وهديتك محفوظة ما تخافش.” وائل ضحك ضحكة صفراء وغمزله: “والله لو جيت بلاش منها، تطلع مش تمام معاك.”
لما جاء يسلم عليا، مد إيده وضغط على صوابعي بقوة لدرجة إني تألمت وسحبت إيدي بسرعة. قالي “بالسلامة”، وبعد ما وخر خطوتين، التفت وحط إيده على راسه ونادى على سند: “ما تنساش تبعثلي التفاصيل على الواتساب، ضروري!” سند رد عليه: “تم، في الحفظ والصون.”
أول ما مشى وائل، حسيت بنغزة في قلبي. خفنا فجأة، رغم إني من شوية كنت طايرة بالفرحة. خشينا للمطار، ختمنا الجوازات وقعمزنا في صالة الانتظار. كانت الساعة 1:44، يعني 16 دقيقة والطيارة تفتح بواباتها. حطيت راسي على كتف سند ولفيت صوابعي في صوابعه، وسألته بهمس: “غريب ولد عمك هذا يا سند، ما ارتحتلاش.”
سند ضغط على إيدي وضحك: “هههههه حتى أنتي لاحظتي؟ وائل هذا لو بتركزي معاه بتهبلي.” أنا: “رسمي، تصرفاته مش طبيعية.” سند: “وائل عبارة عن لغز، كل كلمة تطلع من فمه وراها ألف معنى، يدخلك في دوامة ما تطلعيش منها.”
قعدت نذكر في كلمة “كابوس” وهزة راسه ليا في القاعة، بس قاطع تفكيري صوت النداء للطيارة. ركبنا، وبدت الرحلة لتركيا اللي كنت نحلم بيها شارع شارع. حطينا السماعات، أغاني هادية، وغمضنا عيونا على أمل بداية جديدة.
وصل وائل لحوشهم، وهو بيفتح الباب جاباته رسالة من سند على الواتساب. شافها بملامح جامدة، حط التليفون في جيبه وخش. نحى سبيدروه وهو يسمع في صوت “تقوى” (قريبته) تهدرز. وائل: “السلام عليكم.” أمه ردت: “وعليكم السلام، وصلت عريس الغفلة؟” وائل: “إي وصلتهم.. وما حد يفيقني، بنمشي في سابع نومة.”
خش لداره لقى “تقوى” مقعمزة على سريره وتضحك مع تليفونها. وائل فنص فيها: “هاتي التليفون جاي!” تقوى استغربت: “نكلم في صاحبتي، خيرك هجمت عليا؟” وائل قعد يعض في شاربه اللوطاني (عادته لما يغلي من العصبية): “قلتلك هاتي التليفون وما تخلينيش نكرر!”
خذت منه التليفون ورد: “ألو؟” طلعت بنت فعلاً: “تقوى؟” مدلها التليفون ببرود، وهي صكرت وحطاته في جيبها وابتسمت بخبث: “تغار عليا يا وائل؟” وائل: “أختي ونغار عليها، حالك حال أي بنت في العيلة.” تقوى تعفلقت لأنها كانت تبي “قلب وائل” مش “خوة وائل”. طلعها من الدار وسكر الباب، وحط راسه بيموت من الصداع، وصورة “نور” مش راضية تفارق خياله.
بعد 4 ساعات، حطت الطيارة في مطار إسطنبول مع وقت المغرب. كنت نمشي وأنا نتفرج على كل شي بفرحة، وسند شاد إيدي. أنا: “سند، خلينا نطلعوا ندهوروا توا، الجو يجنن!” سند: “لا يا حلوة، للفندق طول، الدنيا ظلمت وما نندروش على الطريق.” حاوطت رقبته بدلع: “باهي غدوة من الفجر بنطلعوا، تمام؟” باسني على خدي وقالي: “من الفجر يا ستي، ولا يهمك.”
ركبنا التاكسي، وكنت مشبعة عيوني بالمناظر لين وصلنا للفندق وحجزنا لمدة أسبوعين. أول ما دخلنا الغرفة، نحيت وشاحي وطلعت شكلاطة من الثلاجة وبديت ناكل. أنا: “سند قلبي، بسألك.. وائل أصغر منك؟” سند: “إي، مواليد 89 وأنا 86.” أنا: “يعني هو أكبر مني بسنتين، أنا 91. تصدق طالع رزينة عليه؟” سند جاني وخذى الشكلاطة من فمي وقالي بغيرة مصطنعة: “تحشمي على وجهك، قاعدة في حضن راجلك وتحكي على غيره؟” ضحكت وقلتله: “أنا ما نشبحش لغيرك، لأنك أنت سيدهم كلهم.”
المواجهة في ليبيا: “تريس مش عيال”
ثاني يوم، وائل كان مقعمز في سيارته، الدخان ما يفارقش فمه. شاف سيارة درست ونزلوا منها زوز شباب، واحد شاد شنطة والثاني ملامحه مش مريحة. الأول: “أنت وائل؟” وائل بتهكم: “لا، جداه! أكيد أنا، شن فيه؟” الأول شبح لصاحبه: “أعطيه الفلوس، دمه خفيف زي ما حكى سند.”
تقدم الثاني ببطء مستفز، وائل عصب: “تي هييي! تحسابه روحك تمشي على دحية؟ أخلص!” خذا الشنطة، فتحها شاف الفلوس وصكرها. وهو بيمشي، قاله الأول: “لحظة، مازال ما كملنا.” طلع كيس فيه بودرة بيضاء: “شد هذي، وصلها لـسند.”
وائل شافلها وعرفها “مخدرات”. ضحك بسخرية: “اعطيهاله لما يرجع..” وحذف الكيس في الأرض بكل قرف. الثاني سحب سلاحه في وجه وائل: “شنو؟ بديرلنا فيها شريف؟ ارفعها من الأرض وأنت ساكت!”
وائل لوح شنطة الفلوس وبدت عيونه تقدح شرار. في لحظة، تحرك زي البرق، خبط السلاح من إيد الراجل وطيبه على الأرض. وجي الأول بيمسكه من وراه، عطاه خبطة براسه (نطحة) ولف عليه، نازل فيه ضرب وين ما تجي إيده، لين لزّه على مرش السيارة وكسره عليه. التفت للثاني اللي كان بيحاول يهرب بالسيارة، فتح عليه الباب وجبده للوطى وجي فوقه. وائل: “بتلعبوا عليا؟ نلعب عليكم وعلى اللي باعتكم!” فتح كيس المخدرات وكبه على وجهه وزاد كمله بضربة لين خلاه يودع. ناض ينفض في حواجه، خذا شنطة الفلوس وركب سيارته بكل هيبة: “لما تلعبوا، العبوا مع العيال، مش مع التريس!”
بعث رسالة لـسند: “لما تعطي كلمة خليك قدها، وما عاش تستغفلني.. الفلوس معاي.”
بعد مرور أسبوع في تركيا، كنت نلعب بشعر سند وهو راقد: “حبيبي نوض عاد، ليك ساعة!” سند: “يا نور بري أنتي ديري دورة في الفندق، والله تعبان وبنموت من النوم.” استسلمت ونضت، لبست جينز أسود وجاكتة شتوية، وطلعت بنطلب تاكسي من الاستقبال.
وقفت عند الريسبشن، وفجأة شفت ظل جنبي. قمت راسي وانصدمت.. كان وائل واقف بكامل أناقته! عقدت حواجبي بذهول. وائل بابتسامة غامضة: “صدفة جميلة، صح؟” أنا بـ تلعثم: “أهلين.. شن حالكم؟ شن جيبك هنايا؟” وائل وهو يثبت عيونه في عيوني: “جيت لأنـي.. نبيــــك!”
يتبع..
