رواية: أزمة ثقة (الجزء الأول)

رواية: أزمة ثقة (بين الوهم والحقيقة)

الـحـلـقـة الأولـى

أمي كانت تشبحلي بنظرات كلها غصة وقهر، سألتني بصوت يرجف: “يا نور يا بنيتي، مقتنعة باللي دايرتيه في روحك؟” رديت عليها بابتسامة بنرقع بيها الموقف: “الحمد لله يا ميمتي، مقتنعة وراضية بأقصى حد.”

شوية وخش عليا بابا، وحاله كان يسخف الكافر، وجهه مغموم أكثر من أمي بمليون مرة. قالي بصوت مكسور: “مبروك يا بنيتي، مبروك يا ضي عيوني.” مشيت حضنته بقوة وسكتت، ما لفتش لساني ولا كلمة نقدر نرد بيها عليه. بابا مسح دمعته اللي نزلت غصب عنه وقالي: “خلاص، سند ولى راجلك بكلمة ربي.. وهذا طريقك وأنتي اللي اخترتيه بيدك وبإرادتك، وأهو توا بيخش يسلم عليك.”

هزيت راسي، ودخل عليا سند لوسط الحوش. سلم على بابا وماما وعليا، وأنا قلبي كان بيطير، إحساس إنك تقلب الدنيا وتكسر خشم الظروف على خاطر واحد وتلقاه وفي بوعده، إحساس ما ينوصفش باللسان. بابا وقف وقفة أخيرة وقبل ما يطلع قاله: “يا سند، عندي كلمتين بنقولهم.” سند رد بأدب: “تفضل يا عمي؟” بابا شبحلي وقاله: “بنتي هذي رفضتك على خاطرها قداش من مرة، وحاولت نمنع النصيب لين عييت، لكن اللي ربي كاتبه صار. وتوا بنقولها قدامك يا سند، هذي حياتك يا نور وأنتي اللي اخترتي الزواجة هذي، لكن نبهتك من الأول، غدوة لو جيتيني تتباكي ما تلومي إلا روحك.”

سند تضايق من كلام بابا ورد بحدة: “يا عمي الكلام هذا عيب ينقال في حقي وأنا في وسط حوشك وفي يوم فاتحتي!” بابا رد عليه بكل برود: “بلاش نفتحوا المواضيع المدفونة يا سند، خلينا ساكتين.. مبروك وخلاص.” وطلع وسيبنا.

مشينا أنا وسند للمربوعة، وكان باين عليه التعفليق والضيق، لكن كان يحاول يسايرني. مسك إيديا ولقيت صوابعه يرعشوا بطريقة مش عادية، قالي: “مبروك يا غلايا.” دموعي غلبوني ورديت: “الله يبارك فيك.” حط إيده على وجهي وقالي: “خيرك يا قلبي، ليش الدموع هذي؟” قمت إيدي وحطيتها فوق إيده وسألته بجدية: “علاش إيدك هكي ترعش؟ خذيت حاجة قبل ما تجيني؟” ضحك ببرود وحط خشمه على خشمي وقالي: “يا نور فوتيها، لو بتركزي في كل تفصيلة فيا حتتعبيني وتتعبي معاي ههههه.” عديتها له بضحكة، وقررت إني ما نكدش على روحي في ليلة زي هذي.

جت المصوراتية وبدت تصور فينا، وفي كل لقطة كنت نزيد نقرب منه، بس للأسف كبدي كانت تزعم من ريحة “الشرب” اللي فايحة منه، نفس الريحة اللي كرهتني في عيشتي وقت الخطوبة. تمت الحفلة، وفي الليل قعدت مقعمزة بروحي على السرير، لين جاني إشعار “فيس بوك”. فتحت ولقيت سند منزل صور جديدة ليه هو وصاحبه “وائل“. رغم إن سند طالع يجنن، بس عيوني تبتوا في صورة وائل. قعدت نركز ونكبر في الصورة.. “يا ربي الوجه هذا مش غريب عليا، أنا وين شابحاته؟” عصرت دماغي لين تفكرت حلمة كانت تجيني وتتكرر هلبا من سنتين فاتوا. كنت نحلم إني لابسة قفطان أسود، وفيه إيدين راجل ملفوفات على خصري، ووائل هذا لابس أبيض في أبيض ومادلي إيده ويقولي بصوت واطي: “تعالي.. تعالي.” حسيت برعشة بردت جسمي، نضت شربت مية بسرعة، وفي اللحظة هذيك خشوا عليا أهلي وبدو في جو الحنة والصياح والفرح عم الحوش.


في مزرعة “سند

الشباب كانوا ملتمين، وجوهم نايض. واحد من صحابهم نكزه: “يا وائل، أعطينا شي حاجة من صوتك السمح، ليش سارح ومهموم؟” وائل ابتسم وشبح ليهم وقالي بلهجة فنان: “شن تبوا تسمعوا؟” ياسر رد عليه: “نبي غدوة ما يجيش بكل.” وائل رفع صوته وبدا يغني: “ما أريد باكر يجي.. باكر حبيبي يروح..” والشباب يصفقوا ومنسجمين معاه. قعد يغني بحرقة: “بوداعه راح أنجرح.. ما عايز أنا جروح.” وقبل ما يكمل خش عليهم سند وهو يضحك. سند: “الله الله على شاعرنا اللي ينبش في المواجع.” الشباب ضحكوا: “والله صوتك يا وائل نوض علينا الضيم.” وائل: “خلونا نفرحوا بـسند اليوم وفوتوا الهم.” ياسر: “رسمي، هذي آخر ليلة عزوبية للذيب سند.” سند: “هيا يا وائل، أعطينا أغنية ثانية.” وائل عدل صوته وبدا يغني في كلمات ناصيف زيتون: “أنا عايش أزمة ثقة.. بإيدي ما بوثق بقى.. وهلا كلمة مرحبا أوقات ما بصدقها.. عادي قلي بحبك بس ما تقلي راح حبك على طول.” الكل صفق وصفر بحماس. ياسر: “أغنية قوية، من تأليفك؟” وائل: “لا، هذي أزمة ثقة لناصيف.”

سند ناض مشي لسيارته، فتح الكوفن وطلع “شيشة” وشرب منها، وسكره. سند: “هيا يا شباب، عرس سند مش أي كلام!” الشباب فرحوا، وياسر فرغ طواسي الشاهي وقاله: “صب خلينا نروقوا شوية.” سند صب للكل إلا لـوائل. قاله بضحكة: “نصبلك يا ولد عمي؟” وائل رد بجدية: “أنت عارف ماليش في الجو هذا بكل.” ياسر ضحك: “فوته يا سند، ولد عمك مش مقتنع إن العمر لحظة.” وائل خذا حاجته ووقف: “نستمتع وأنا بكامل وعيي أحسن لي.” ومشي للسيارة، سكر على روحه ولبس سماعاته وهرب في عالم الأغاني، يحاول يغطي على دوشة الشباب اللي برا. رقد وغرق في نومه.

فجأة، ناض وائل على صوت صياح، نزل من السيارة ومالقى حد من الشباب! الدنيا كانت هدوء يخوف، مشي وراء الصوت وقلبه بيدق من الرهبة. في وسط الظلام، شاف بنت وجها مضروب ودموعها يصبوا. قعد يشبح لها بخوف وإيده ترعش، والبنت تعيط وتقوله: “ساعدني!” مد لها إيده وهو يقول: “تعالي.. تعالي.” ملامحها ما كانتش واضحة هلبا، بس كان يحس بوجعها. فاق وائل من الكابوس وهو يلهث وعرقه يصب، شاف يمينه لقى الشباب مازالوا يهدرزوا. نزل من السيارة ومشي بعيد يشم في هواء ويحاول يستوعب الحلمة اللي تكررت معاه، وقعد يسبح ويقرأ في القرآن للصبح.


ليلة الفرح

الساعة 7:00 مساءً أنا (نور) كنت في قمة فرحتي، نكلم في أختي هدى: “يا هدى، الليلة بنولي في حوش الشخص اللي تحديت الدنيا عشانه، حلمي وتحقق!” هدى ردت بخوف: “يا خوفي يطلع زي ما قال بابا وما يتحملش مسؤولية.” قلت لها بثقة: “لا، سند يحبني ومستحيل يضرني في شعرة.”

لبست الفيلو الفخم اللي جابهولي من تركيا، والمكياج برز ملامحي الجذابة. كنت ملكة في عين نفسي. تليفوني رن، كان هو، حلالي. رديت بلهفة: “حبيبي!” سند: “يا قلبي، واتية؟” قتله إني طالعة للقاعة، قالي: “ربي يحفظك من كل عين، ورد بالك على روحك.” صكرت منه وأنا حاسة بطاقة كبيرة. جاني خوي مؤيد ببدلته الأنيقة، خذاني من إيدي وركبنا السيارة، وطول الطريق كان يحكيلي على ذكرياتنا ويبيني نتراجع: “يا نور، لو تبي نرجعوا توا، والله مافي حد يكلمك.. الزواجة هذي مش مريحة.” تضايقت من كلامه، ووصلنا للقاعة. البخور والزغاريد كانوا في استقبالي، ودخلت للقاعة وأنا نوزع في الابتسامات والكل يشبح لجمالي.

شوية وخش “سند” على أغنية “شو حلو”. كان طالع يجنن، ماسك باقة ورد وعيونه عليا أنا وبس. وصل عندي، رفع الطرحة وباس جبهتي بوسة هادية، وهمس في ودني: “يا محلاها مرتي.” مسك إيدي بقوة وقالي: “عاندت الكل ووقفت في وجه الكل عشان اللحظة هذي.. وتوا صرتي ملكي.” بست خده وقلتله: “نحبك.” بدلنا الخواتم وقصينا الكيك، وضحكنا ورقصنا مع بعض. وأنا حاطة راسي على كتفه، حسيت بوجع غريب في راسي.. تفكرت الحلمة! نفس لفة إيدين الراجل اللي نحلم بيه هي نفسها لفة إيدين سند توا!

تم العرس وطلعنا، ودعت أهلي بدموع، وركبت السيارة جنبه. وفجأة، طق حد على الروشن، كان وائل! وائل: “سند، نسيت تليفونك عندي.” أول ما سمعت صوته، حسيت برعشة بردت عظامي.. الصوت هذا هو نفس الصوت اللي في الكابوس! رفعت راسي وجت عيني في عينه، نظراته كانت غريبة، كأنه يعرفني أو كأني نعرفه من زمان! هز راسه بحركة غامضة ونزلت عيوني، وتحركت بينا السيارة..

وفي نص الطريق… يتبع..

لقراءة الجزء الثاني اضغط هنا