منوعات

ملخص رواية بين خيوط خيمة مهترئة

في مخيم “سنابل” بمواصي خانيونس، وين الخيام بتشبه القبور المرفوعة فوق الرمل، كان الفجر بيبدأ بريحة “هباب” البلاستيك اللي بيخنق الشجر والحجر. “أم عاهد” كانت قاعدة على طرف فرشة مهترئة، بتنفخ في كانون نار صغير، وعيونها بتراقب كنتها “سماح” اللي كانت لسا نايمة وشعرها منكوش من تعب ليلة قضتها في العياط.

أم عاهد (بتخبط بالملقط الحديدي على طرف الطنجرة): “يا فتاح يا عليم.. قومي يا هانم! قومي يا ست الحسن والجمال! الشمس أكلت جلودنا وأنتي لسا بتشخري؟ قومي شوفي هالطحينات اللي ريحتهم طلعت من الرطوبة، ولا بدك إيانا نشحد الخبز من التكايا زي المساكين؟”

سماح (بتقوم وهي بتمسح وجهها بتعب ومرارة): “يا خالتي وحدي الله! الساعة لسا ما صارت ستة.. والولد صخر طول الليل بيكح من رطوبة الخيمة، ما غفت عيني دقيقة وأنا بهز فيه. سيبيني في حالي الله يرضى عليكي، بدني مكسر.”

أم عاهد (بتعلي صوتها وصوتها بيوصل للخيمة المجاورة): “بدنك مكسر؟ ومن إيش يا حسرتي؟ من جلي الصحون ولا من قزي الحطب؟ ولك أنا في عمرك كنت أشيل جبال وأنا صايمة، وأنتي شقفة نار مش عارفة تولعيها! قومي انتحلي، عاهد صارله يومين بايت على طابور الطحين في رفح، بدك يرجع يلقى وجهك المنكوش ولا يلقى لقمة تسند طوله؟”

سماح قامت وهي بتمتم بكلمات “سم” في سرها. طلعت برا الخيمة، الرمل كان بارد تحت رجليها الحافية. بدأت تلم لقط حطب مبلول من ورا الخيام، وشوية كرتون مهري عليه طين. قعدت تنفخ في النار وعيونها يحرقوها من الدخان الأسود.

الجارة أم سليم (بتطل من شق خيمتها وهي شايلة جالون مية): “صباح الخير يا أم عاهد.. هدي حالك يا أختي، الدنيا صبح والناس صايمة على الوجع. سيبي البنت في حالها، والله شكلها تعبانة.”

أم عاهد (بترد وهي بتلوي بوزها): “خليكي في خيمتك يا أم سليم! ما حدا بياكل العصي غير اللي بيعدها. هادي البنت لو سكتت عنها يوم، بكرة بتخليني أخدمها. شوفي كيف بتنفخ في النار، كأنها بتطلع روحها.. فاشلة في كل شي، بس شاطرة في التململ والجوال اللي ما بيفارق حضنها!”

سماح (بصراخ مكتوم): “الجوال يا خالتي؟ هو في غيره بيصبرنا على هالعيشة؟ شوفي حالنا! نايمين في الطين، والمية مالحة بتهري الجلد، وابني صخر بطل يضحك من كتر الجوع والبرد.. ارحميني، أنا بشر مش حجر!”

في اللحظة هاي، دخل “عاهد” المخيم. كان منظره بيقطع القلب. وجهه غاير، عيونه حمر من السهر، وملابسه مغطاة بطين “المطاحن” ورمل الطريق. كان بيجر رجليه جر وهو شايل كيس طحين 10 كيلو على كتفه كأنه شايل جبل.

عاهد (بيرمي الكيس بالأرض وبيلهث): “خدي يا يما.. هادا اللي قدرت أجيبه. دبحنا بعض هانيك، والله شفت الموت بعيني عشان هالكيس. وين صخر؟”

سماح (بتركض عليه بلهفة): “حمد الله على سلامتك يا عاهد! قلبي كان واجعني عليك. خليني أسوي لك شفة شاي على هالنار، تعب الطريق هاد بده راحة.”

أم عاهد (بتقلب في كيس الطحين بنظرة مش عاجبها): “بس هاد يا عاهد؟ يومين غايب عشان 10 كيلو؟ أكيد في ناس شاطرة أخدت أكتر منك، بس أنت دايماً بتسيب حقك للناس وبترجع لنا بالفتات. كيف بدنا نعيش لآخر الشهر بهاد؟”

عاهد (بينفجر بصراخ): “يماااا! اتقي الله فيّ! أنا كنت رح أموت! الطخ كان فوق روسنا، والزحمة كانت بتخنق الشجر! بدال ما تقوليلي الله يعطيك العافية، بتقوليلي ليش قليل؟ سيبيني أرتاح، راسي بدو ينفجر!”

عاهد دخل الخيمة ورمى حاله على الفرشة البالية ونام كأنه مقتول. سماح أخدت الجالونات وطلعت تعبي مية من التانك اللي بعيد. هناك، كان “أبو سليم” مستنيها ورا ساتر ترابي. أبو سليم هادا كان هو “الشيطان” اللي بيلبس ثوب المساعدات، وهو قريب “خالد” اللي في بلجيكا.

أبو سليم (بهمس وهو بيطلع ظرف من جيبه): “كيفك يا سماح؟ خالد بيسلم عليكي كتير، وقالي ‘الأمانة’ لازم توصلك اليوم. هاد ذهب ومصاري تقال، عشان ‘التنسيق’. خالد بيقولك بكرة الفجر السيارة بتستناكي عند مفترق ‘المطاحن’.”

سماح (بترجف وبتحط الظرف في صدرها): “يا أبو سليم، عاهد تعبان وأمه زي الجن ورانا. كيف بدي أطلع؟ وصخر؟”

أبو سليم: “خالد قالي ‘بس سماح وصخر’. عاهد زلمة بيتدبر حاله، هو اختار يظل هان يلاحق الطحين والنكد. أنتي جميلة يا سماح، وحرام تندفني هان في الرمل. بلجيكا بتستناكي، بيوت دافية وأكل نظيف.. فكري في ابنك!”

سماح رجعت الخيمة، وجهها كان فيه لمعة غريبة. أم عاهد شمت الخبر، قعدت تراقب حركات كنتها بدقة الصقر.

أم عاهد (لما دخلت سماح): “إيش يا ست سماح؟ المية صارت حلوة ولا شو؟ شفتك واقفة مع أبو سليم زيادة عن اللزوم. إيش كان بدو منك هالسرسري؟”

سماح (بارتباك): “ما بدو شي! كان بيسأل عن عاهد إذا رجع بخير. ارحميني من ظنونك يا خالتي!”

أم عاهد (بتقرب منها وبتحكي بصوت واطي ومرعب): “ريحتك غدر يا سماح. والله لو شفتك بتهفي ولا بترفّي الليلة، ليكون دمك حلال. عاهد ابني طيب، بس أنا لا!”

الليل دخل، والبرد بدأ ينخر في خيام مخيم “سنابل”. عاهد كان بيشخر من كتر التعب، وصخر الصغير كان بيئن وهو نايم. سماح طلعت الجوال وبدأت تكتب لخالد: “أنا جاهزة. بكرة الفجر رح أكون عند المفترق. كرهت العيشة هان، وكرهت نكد أم عاهد. خدني لعندك.”

الفجر بدأ يشقشق، وسكون المخيم ما بيقطعه إلا نباح الكلاب البعيدة وصوت “الزنانة” في السما. سماح قامت تتسحب، لمت شوية أواعي لصخر في كيس نايلون، وحطت الذهب والمصاري في جيبها. هزت صخر بهدوء: “قوم يا حبيبي.. بدنا نروح على مطرح فيه طيارة وألعاب.”

صخر (بصوت ناعس): “وين يا ماما؟ وبابا؟”

سماح: “بابا بيلحقنا.. يلا يا يما بسرعة.”

في اللحظة اللي حطت فيها سماح رجلها برا الخيمة، طلعت صرخة شقت سكون الليل.. كانت “أم عاهد” واقفة ورا الشادر، ماسكة سكين المطبخ المصدية وعيونها بتطقطق شرار.

أم عاهد (بزئير): “على وين يا خاينة؟ على وين يا فاجرة والناس نايمة؟ بدك تبيعي عاهد وتتركي الخيمة عشان ‘خالد’ وكلابه؟”

عاهد (صحي مفزوع وطلع يركض): “إيش في؟ يما؟ سماح؟ إيش الشنتة هادي؟”

أم عاهد: “شوف يا عاهد! شوف الهانم اللي كنت بتدبح حالك عشان تطعميها! بدها تهرب مع ‘أبو سليم’ وجماعته! الجوال هاد مليان عشق وغرام مع اللي اسمه خالد! كانت بدها تسرق ابنك وتطلع بكرة على بلجيكا وتخليك هان تلطم!”

عاهد (بصدمة وهو بيمسك سماح من كتفها وهزها): “سماح؟ الكلام هاد صح؟ أنتي كنتِ بدك تسيبيني؟ أنا اللي كنت بوع الغل عشانك؟”

سماح (بصراخ وهستيريا): “آه صح! أنا زهقت! زهقت من أمك ومن نكدها ومن عيشة الكلاب هادي! أنت مش قادر تفتح بيت، ولا قادر تحميني من البرد! خالد بدو يعيشني في قصور، وأنت عيشتني في خيمة مرقعة! سيبني أروح!”

عاهد رفع إيده وضربها كف هبدها بالأرض. في اللحظة هاي، سيارة “جيب” سودا وقفت على طرف المخيم، وبدأ “أبو سليم” وجماعته يطخوا رصاص في الهوا عشان يرهبوا عاهد ويسحبوا سماح.

أبو سليم (بينادي بصوت عالي): “يا سماح! اطلعي بسرعة! السيارة رح تمشي!”

عاهد (سحب بارودته من تحت الفرشة وبدأ يطخ باتجاه السيارة): “والله ما حدا بياخدها إلا على جثتي! يا أنذال! يا سراقين الأعراض!”

الرصاص صار يطير بوسط الخيام، والناس بدأت تصرخ وتتخى ورا السواتر. صخر الصغير، من كتر الرعب، فلت من إيد أمه وجرى في نص الساحة وهو بيصرخ: “بابا! ماما! وقفوا الطخ!”

سماح (بتركض باتجاه صخر): “ارجع يا صخرررر! ارجع يا حبيبي!”

طخخخخخ! رصاصة غدر طايشة من جماعة أبو سليم أصابت صخر في راسه الصغير. وقع الولد جثة هامدة بوسط الرمل الأحمر، وعيونه لسا مفتوحة على خيمة أهله.

عاهد (بصوت زلزل أركان المواصي): “صخررررررررررر! ابنييييييي!”

سماح ارتمت على جثة ابنها بانهيار، والدم غطى وجهها وملابسها. أم عاهد سقطت على ركبها وصارت تلطم وتصوت: “يا خيبتي! يا دماري! راح الولد! قتلتيه يا سماح بخيانتك! الله يحرق قلبك زي ما حرقتي قلب ابني!”

عاهد وقف فوق راس سماح، والبارودة في إيده بتهتز. تطلع فيها نظرة كانت أشد من الموت.

عاهد (بصوت ميت من الوجع): “انتي مش مرتي.. ولا بعرفك. خيانتك هي اللي جابت الرصاص لراس ابني. لو قتلتك هلقيت بريحك، بس أنا بدي إياكي تعيشي وتشوفي دم صخر في منامك كل ليلة. طالق! طالق! طالق! خدي ذهبك وانقلعي لعند اللي باعك هالوهم.. بس صخر دمه هان في رقبتك ليوم الدين.”

سماح لمت حالها، مشت وهي بتجر أذيال الخيبة والدم، بوسط نظرات الاحتقار من كل أهل المخيم. عاهد حضن ابنه الميت، وأم عاهد ظلت تولول قدام الخيمة المهدمة. انتهت القصة، بس وجع مخيم “سنابل” لسا بيبدأ، تحت خيوط الخيام اللي ما بتستر غدر، ولا بتمسح دمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى